محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
61
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
تحته ، ولا أبالي في أيّ واد هلك » . قال محمد بن الحسين بن حمدان : « كنت في مجلس يزيد بن هارون ، وكان إلى جانبي رجل قلت له : ما اسمك ؟ فقال : سعيد ، فقلت : ما كنيتك ؟ قال : أبو عثمان ، فسألته عن قصّته وخبره ، فقال : نفدت نفقتي ! ! فقلت : ومن تؤمّل لما قد نزل بك ؟ فقال : يزيد ، فقلت : إذن لا يسعفك بحاجتك ولا ينجح طلبك ولا يبلغك أملك ! ! فقال : وما علمك بهذا رحمك اللّه ؟ ! قلت : إني قرأت في بعض الكتب أن اللّه عزّ وجلّ يقول : وعزّتي وجلالي وجودي وكرمي وارتفاعي فوق عرشي في علوّ مكاني لأقطعن أمل كل مؤمّل لغيري بالإياس ، ولأكسونّه ثوب المذلة عند الناس ، ولأنحينّه من قربي ولأقطعنّه من وصلي ، أيؤمّل غيري في النوائب والشدائد بيدي ، وأنا أبحّي ويرجّي غيري ، وتطرق الفكر أبواب غيري وبيدي مفاتيح الأبواب ، وهي مغلقة ، وبابي مفتوح لمن دعاني ، فمن ذا الذي أمّلني لنائبة فقطعت به دونها ، ومن ذا الذي رجاني لعظيم جرمه فقطعت رجاءه مني ! ! أمّن ذا الذي قرع فلم أفتحه له ، جعلت آمال خلقي بيني وبينهم متصلة ، فتعلّقت بغيري وجعلت رجاءهم مدخّرا لهم عندي ، فلم يرضوا بحفظي ، وملأت سماواتي ممن لا يملّون تسبيحي من ملائكتي ، وأمرتهم أن لا يغلقوا الأبواب بيني وبين عبادي فلمن يثقوا بقولي ، ألم يعلم من طرقته نائبة من نوائبي أنه لا يملك كشفها أحد غيري ، فما لي أراه بآماله معرضا عني ، وما لي أراه لاهيا بسواي ، أعطيته بجودي ما لم يسألني ، ثم انتزعته منه فلم يسألني ردّه ، وسأل غيري ، أفتراني أبدأ بالعطية قبل المسألة ثم أسأل فلا أجيب سائلي ! ! أبخيل أنا فيبخّلني عبدي ، أليس الدنيا والآخرة لي ، أوليس الرحمة والفضل بيدي ، أوليس الجود والكرم لي ، أوليس أنا محل الآمال ، فمن ذا الذي يقطعها دوني ، وما عسى أن يؤمّل المؤمّلون لو قلت لأهل سماواتي وأهل أرضي أمّلوني ثم أعطيت كل واحد منهم من الفكر مثل ما أعطيت الجميع ما نقص ذلك من ملكي عضو ذرّة ، كيف ينقص ملك كامل أنا قيمه ، فيا بؤس القانطين من رحمتي ، ويا بؤس من عصاني ولم يراقبني ، وثبت على محارمي ولم يستح مني » . قال : رحمك اللّه أمل هذا الحديث عليّ ، فكتبته ثم قال : واللّه لا أكتب حديثا بعده . قلت : والأصل الذي ينبني عليه هذا المعنى هو تحقّق العبد في مقام حسن الظن باللّه تعالى ، ولذلك أخذ المؤلف رحمه اللّه تعالى في ذكره بأثره فقال : إن لم تحسن ظنك به لأجل حسن وصفه فحسن ظنك به لوجود معاملته معك فهل عودك إلا حسنا ، وهل أسدي إليك إلا مننا .